الشيخ محمد الصادقي الطهراني

240

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) : و ( يعلم ) هنا ، كما في أمثالها ، من العلم : الميز - دون العلم عن الجهل : ( لَيمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) ( 8 : 38 ) فمن ينصره ورسله بالحديد السلاح كما ينصر بسواه فهو الطيب ، ومن لا ينصر قاعدا عن القتال في سبيل اللّه من أولى الضرر فهو الخبيث مهما نصر بسواه ، فعلم الناصرين دين اللّه عن الخاذلين والمتخاذلين من أهم منافع الحديد ، فاللّه يعلمهم تمييزا لكم ، ليعرف بعضكم البعض في بلوى السلاح الحديد : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الُمجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) ( 47 : 31 ) ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) ( 3 : 142 ) ( وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ) ( 3 : 167 ) . فالحديد السلاح ، وموقف الحرب اللزام ، انه بلاء يبلى به المسلمون ، فالجهاد علم : علامة وميز - للمؤمنين ، والقعود عن الجهاد ، أو الفرار من الزحف دون مبرر ، إنه عَلم على المنافقين أو ضعفاء المؤمنين ، عَلم لنا بأمر اللّه ، لا عِلم للّه بعد جهل أم ماذا ! . فمن ينصر اللّه ورسله ( بالغيب ) : نصرة اللّه الغيب ، وللرسل الغيب ، فإن رسالتهم غيب ولو تثبت بالأدلة الشهود ، كما يثبت بها وجود اللّه ، وكذلك من ينصر اللّه ورسله نصرة بالغيب ، في عمق القلب وحق الرضا ، دون نفاق ورثاء كمن ينصر ظاهرا ، بلفظة قول أو عمل ما دام الأمل في هذه النصرة : أن تجلب له المناصب والأموال ، أو تعطف إليه الأنظار ، فإذا جاء الخطر وخاب الأمل فحيدي حياد ! وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . عرض لهم على النار في الأخرى لتشتريهم ، كما شروا أنفسهم بموجباتها في الأولى ، ثم تعريض بكلمة لاذعة : « أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ » ثم تحويل لهم إلى النار وبئس القرار : فهم إذا في ثالوث العذاب جزاء من ربك عذابا وفاقا ، كما كانوا في الأولى يعرضون أنفسهم على نيران الشهوات ، ويعرضون عن الموعظات تعريضا بتفكهات ، ويذيقون أهل الحق بمختلف العذاب : نفسيا وجسدانيا ، فيوم العرض يجمع لهم بين رؤية العذاب - وهو حقيقة أعمالهم -